صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

18

تفسير القرآن الكريم

يرونها متصلة ، ولكن إذا انكشف الحجاب وفتحت الأبواب وتجلى جمالها يرونها بالبصيرة الباطنية هكذا : ي ، ح ، ب ، و ، ن ، ه ، م ، وإذا ارتفعوا عن ذلك المقام إلى مقام أعلى يرونها نقاطا وتصير الحروف المفردة بالقياس إلى من في تلك الدرجة نقطا ، وإذا وصلوا إلى مقام القرب رأووا النقاط كلها مستهلكة في نقطة باء « بسم اللّه » . وأنت - أيها الساكن في بيت حجابك ، المقيد بقيود هواك ونفسك إنك لم تخرج حتى الآن قدما من عتبة بابك التي أنت معتكف فيها إلى طريق الحق ، ولم ترغب في طلب معرفته والاطلاع على أسرار ملكه وملكوته ، ومطالعة كتابه الذي ورد منه إليك ، ولم تحصل بعد ، مفردات حروف الجمل في معلمة العشق ومدرسة التقوى والعبودية ، وإلهك ومعشوقك متوجه إليك من سماء عظمته ، ناظر إليك ليجذبك بجذبة ارجعي . وإنك بعد ما توجهت إليه بقلبك فلا عبرة بما تقوله بلسانك : وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ » مع عدم موافقة الباطن وهو وجهك الحقيقي ، لأنك مشغول بجميع أسباب اللهو واللعب والهزل ، مستغرق القلب بعمارة أرض بدنك ، وتحصيل أرض أخرى ، وتزيين ترابك الذي يخصّك بإضافة تراب آخر إليه ، وجمعه وادّخاره بعد تلوينه أو تصييره بكثرة الحيل في المعاملات ، أو المداهنة في المعاشرات أو الدغل في الصناعات ، بتزويج ما كسد وإصلاح ما فسد ، حتى صار ترابك ذهبا وفضة ، وما هما إلا ترابان ملوّنان بالصفرة والبياض ، بتعمّل طبيعي أو صناعي ، إما في نفسها أو في تعميلك وتحصيلك لصورتهما ، أو أخذك لهما من الناس بسبب الاستيناس بهم والمداراة معهم ، وذلك كله علامة الإفلاس ، وجميع ذلك خدمة منك لفاسق وظالم جاحد . وطاعة لشيطان مارد من الدواعي الشهوية أو الغضبية أو الوهمية ، فأول علامة من ارتفع عن هذا الأدنى ، وخلص عن حجاب المشتغلين بالدنيا أن ينكشف عليه معرفة الحروف المنفصلة القرآنية وكيفية نزولها ، كما رمز إليه تعالى بقوله : وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [ 28 / 51 ] إلى هذا القوم ، وأشار